عندما يُذكر مصطلح «ثقافة العمل»، تتجه الأنظار سريعًا إلى الموظف: هل حضر في الموعد؟ هل أنجز مهامه؟ وهل يتحمل ضغط العمل؟ لكن النقاشات المتداولة في الصحف العُمانية ومنصات التواصل الاجتماعي والمنتديات تكشف أن الصورة أوسع بكثير؛ فثقافة العمل لا يصنعها الموظف وحده، بل تشترك فيها الإدارة، والأنظمة، والحوافز، ووضوح المسؤوليات، والشعور بالعدالة.

استنادًا إلى مراجعة واسعة للبحوث والمناقشات المنشورة، تتكرر ملاحظات حول التأخر، وضعف المبادرة، وعدم توثيق القرارات. وفي المقابل، تظهر شكاوى من ضغط ساعات العمل، وتفاوت المعاملة، وضعف التطور الوظيفي، وغياب التقدير. وهذه الآراء لا تصلح لإطلاق أحكام عامة على الموظف العُماني أو القطاع الخاص، لكنها تكشف فجوة في الثقة داخل بعض بيئات العمل.

المؤسسة التي تطالب موظفيها بالالتزام مطالبة هي الأخرى بأن تقدم نموذجًا مماثلًا: راتب يُدفع في موعده، ووصف وظيفي واضح، وتقييم عادل، وفرص تدريب حقيقية، وقرارات تُشرح بدلًا من أن تُفرض بصمت. ولهذا يمثل نظام حماية الأجور، الذي يرصد تحويل أجور العاملين في القطاع الخاص، خطوة مهمة لتعزيز الاستقرار وتقليل النزاعات. كما يوفر قانون العمل العُماني إطارًا لحماية الحقوق وتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، غير أن القانون وحده لا يصنع مؤسسة ناجحة؛ فالاحترام اليومي لا يمكن اختزاله في مادة قانونية.

ومن أكثر القضايا حضورًا في النقاش العام مسألة الانضباط. وقد طرحت صحف محلية آراءً تتراوح بين معاقبة المتأخرين، واعتماد ساعات بدء مرنة، ومنح حوافز للملتزمين. والحل الأكثر نضجًا لا يقوم على العقوبة وحدها، بل على قياس النتائج، وفهم طبيعة كل وظيفة، وربط المرونة بالمساءلة. فالموظف الذي يعرف ما المطلوب منه، وكيف سيُقيّم، ولماذا ينجز المهمة، يكون أكثر قدرة على الالتزام من موظف يعمل وسط تعليمات متغيرة ومجاملات إدارية.

كما أن ثقافة العمل الحديثة لم تعد تعني البقاء مدة أطول في المكتب. فالنقاشات المهنية في عُمان تتناول بصورة متزايدة العمل المرن، والصحة النفسية، والتوازن بين الحياة والعمل، وضرورة وجود سياسات واضحة للتواصل والتقييم. فالمرونة بلا تنظيم قد تتحول إلى فوضى، لكن الرقابة المفرطة تقتل الثقة والمبادرة. والمطلوب إدارة تقيس الأثر، لا عدد الساعات التي بقي فيها الضوء مشتعلًا فوق مكتب الموظف.

وترتبط ثقافة العمل في سلطنة عُمان بمنظومة من القوانين واللوائح التي تحول القيم المهنية إلى ممارسات قابلة للقياس والمساءلة. ويأتي قانون العمل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 53/2023 في مقدمة هذه المنظومة، إذ ينظم العقود والأجور وساعات العمل والإجازات والسلامة والصحة المهنية وحقوق العامل وصاحب العمل. كما يعزز نظام حماية الأجور الشفافية من خلال مقارنة الأجر المسجل في عقد العمل بالمبلغ المحول إلى حساب العامل وفي الموعد المحدد.

وتساعد لائحة نظام العمل داخل المنشأة على توضيح أوقات الدوام والجزاءات والتظلمات والسلوك المتوقع، فتقل القرارات المزاجية، ويعرف كل طرف حقوقه والتزاماته. وتدعم أنظمة العمل لبعض الوقت والعمل عن بُعد ثقافة أكثر مرونة، بشرط وضوح المهام، وحماية خصوصية العامل، وعدم استخدام وسائل مراقبة تنتهك بياناته.

ولا تكتمل هذه الأطر من دون قنوات آمنة للشكاوى، وتوثيق القرارات، وتقييم أداء عادل، وتدريب المديرين على تطبيق اللوائح بصورة متسقة؛ فالعدالة التنظيمية هي الأساس الذي يحول الالتزام من خوف من العقوبة إلى ثقة ومسؤولية مشتركة داخل المؤسسة.

وتنسجم هذه التحولات مع توجهات رؤية عُمان 2040 نحو سوق عمل أكثر كفاءة وتنافسية، يقوم على تنمية القدرات الوطنية، وإدارة المواهب، ورفع الإنتاجية. لكن تحقيق ذلك يبدأ قبل التوظيف؛ من الأسرة والمدرسة والجامعة، عبر ترسيخ قيم الإتقان، واحترام مختلف المهن، والعمل الجماعي، والاعتماد على النفس، ثم يستمر داخل المؤسسة بالتدريب والقدوة والمحاسبة العادلة.

ثقافة العمل ليست حملة توعوية موسمية، ولا ملصقًا تحفيزيًا قرب جهاز البصمة. إنها اتفاق غير مكتوب يقول: على الموظف أن ينجز بأمانة، وعلى الإدارة أن تقود بعدالة، وعلى المؤسسة أن تكافئ الكفاءة بدلًا من العلاقات. وحين يشعر الإنسان أن جهده مرئي، وحقوقه محفوظة، وصوته مسموع، يصبح الالتزام سلوكًا طبيعيًا، لا أمرًا يحتاج إلى مطاردة يومية.


تحدث إلى المتخصصين

لديك سؤال لم يُجِب عليه هذا المقال؟

احجز استشارة مجانية